الجزائر. – من استديوهات إذاعة الجزائر الدولية، وفي هذا الخامس عشر من مايو، يحيي الشعب الفلسطيني ذكرى ذات دلالة عميقة وأليمة؛ إنها "النكبة"، المصطلح العربي الذي يعني "الكارثة". وتستحضر هذه الذكرى التهجير القسري لمئات الآلاف من الفلسطينيين عام 1948، تزامناً مع إقامة دولة إسرائيل واندلاع الحرب العربية الإسرائيلية التي كانت بمثابة البداية لواحد من أطول الصراعات في التاريخ المعاصر. وللمزيد من التوضيح حول الأبعاد التاريخية والإنسانية والسياسية لهذه الذكرى، نستضيف السيد أبو فيصل سيرخيو تابيا، المدير المؤسس لصحيفة "القدس ليبيراسيون" (Al-Quds Libération) والخبير الجيوسياسي في شؤون غرب آسيا وفلسطين.
السيد أبو فيصل سيرخيو تابيا، طاب مساؤكم.
سيد أبو فيصل، ماذا تمثل النكبة اليوم بالنسبة للأجيال الفلسطينية الصاعدة، خاصة بعد مرور أكثر من سبعة عقود من الصراع والتهجير؟
استناداً إلى تقارير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (PCBS) والمنظمات الدولية، يُقدر إجمالي عدد الشهداء بأكثر من 180,000 شهيد. وفيما يلي تفصيل للفترات الرئيسية (بيانات محدثة حتى مايو 2026):
النكبة (1948): قُتل ما بين 13,000 و16,000 فلسطيني خلال أحداث الحرب والمجازر المرتبطة بها.
الفترة الوسيطة (1949 - 2000): استشهد آلاف الفلسطينيين في صراعات إقليمية، بما في ذلك حرب 1967، وحرب لبنان 1982 (التي شهدت مجزرة صبرا وشاتيلا بضحايا وصلوا إلى 3,500)، والانتفاضة الأولى (1987-1993) بنحو 1,962 شهيداً.
القرن الحادي والعشرون (2000 - 2023): أسفرت الانتفاضة الثانية عن 3,354 شهيداً، بالإضافة إلى آلاف الضحايا في حروب غزة (2008، 2012، 2014، 2021).
الصراع الحالي في غزة (منذ أكتوبر 2023): وفقاً لوزارة الصحة في غزة وتوقعات الأمم المتحدة، تجاوز عدد الشهداء في قطاع غزة بحلول مايو 2026 حاجز 73,000 شهيد، بالإضافة إلى مئات الشهداء في الضفة الغربية.
بالنسبة للأجيال الفلسطينية الجديدة، تجاوزت النكبة كونها مجرد ذكرى تاريخية لتصبح واقعاً حياً ومستمراً. ففي عامي 1947 و1948، نفذت إسرائيل "النكبة" عبر حملة تطهير عرقي عنيفة أجبرت 750,000 فلسطيني على ترك أراضيهم لإقامة الكيان الإسرائيلي. وقد أدت الفظائع الجماعية وعشرات المجازر التي ارتكبتها الحركات الإرهابية الصهيونية مثل "الهاغانا" و"الأرغون" وغيرها إلى مقتل ما يقرب من 15,000 فلسطيني، وتسببت في التهجير القسري لـ 85% من السكان.
في غزة اليوم، نشهد إبادة جماعية في بث حي ومباشر، تسببت في استشهاد أكثر من 72,000 فلسطيني منذ أكتوبر 2023، مع بيانات محدثة تشير إلى أكثر من 66,000 جريمة قتل في العامين الماضيين وحدهما، وهو ما يمثل 30 من كل 1,000 شخص في القطاع، مع وجود 250,000 ما بين شهيد وجريح ومفقود أمام مرأى ومسمع البشرية.
تتميز النكبة المعاصرة بالاستخدام الممنهج للجوع كسلاح حرب، حيث أكدت الأمم المتحدة رسمياً وجود مجاعة في شمال غزة في أغسطس 2025. ويتفاقم هذا الوضع بسبب الحصار الإسرائيلي الذي يمنع دخول المساعدات الإنسانية (حيث يتم حظر أكثر من ثلثي المساعدات الضرورية)، مما أدى إلى نفاذ أكثر من 50% من الأدوية الأساسية وبقاء السكان في حالة سوء تغذية مزمن.
وبالنسبة للشباب الفلسطيني، فإن النكبة هي أيضاً تجربة العيش تحت حصار مستمر في الضفة الغربية، حيث كثفت قوات الاحتلال والمستوطنون مداهماتهم، مما أسفر عن استشهاد أكثر من 200 فلسطيني في عامي 2025 و2026 وحدهما. إنها التدمير الممنهج لمجتمعاتهم، كما يتضح من وضع "الخطوط الصفراء والبرتقالية" المتنقلة التي تطوق اليوم ما يقرب من ثلثي أراضي غزة.
إن النكبة بالنسبة للأجيال الجديدة هي الوعي بأن إسرائيل لا تسعى فقط للسيطرة على الأراضي، بل لمحور الوجود الفلسطيني. وكما صرح وزير الزراعة الإسرائيلي، آفي ديختر، فإن هذه الحرب هي "نكبة غزة"، مما يكشف عن النية الصريحة لتكرار كارثة عام 1948 ولكن على نطاق أوسع وبوحشية غير مسبوقة.
من واقع خبرتكم كصحفي ومدير لوسيلة إعلامية ملتزمة بالقضية الفلسطينية، كيف ترون تعامل الإعلام الدولي تاريخياً مع قضية النكبة وذاكرة الشعب الفلسطيني؟
لقد فشلت وسائل الإعلام الدولية بشكل ممنهج في مسؤوليتها عن تقديم تقارير تتسم بالمصداقية والسياق حول النكبة والوضع الفلسطيني. تاريخياً، كان هناك تحيز واضح قلل من الرواية الفلسطينية أو تجاهلها تماماً. وصفت وسائل الإعلام الغربية الصراع الحالي بمصطلحات مختلفة، تراوحت بين "حرب إسرائيل وحماس" و"حرب إسرائيل وغزة"، لكنها نادراً ما استخدمت مصطلح "الإبادة الجماعية الفلسطينية في غزة"، وهو المصطلح الذي تستخدمه الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية.
يتجلى هذا التحيز في عدة أشكال:
المساواة الزائفة: غالباً ما تقدم وسائل الإعلام مساواة أخلاقية بين المحتل والواقع تحت الاحتلال، وبين الظالم والمظلوم، متجاهلة عدم توازن القوى وطبيعة العنف الإسرائيلي الهيكلية.
تجريد الأحداث من سياقها: نادراً ما يُذكر أن الصعوبات الحالية تعود جذورها إلى منتصف القرن العشرين، مع إغفال السياق التاريخي للنكبة الأصلية والتهجير القسري المستمر.
التقليل من شأن الإبادة الجماعية: على الرغم من قيام منظمات مثل "أمنستي" و"بتسيلم" بتوثيق جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأعمال إبادة جماعية، إلا أن الكثير من وسائل الإعلام الدولية لا تزال تستخدم مصطلحات ملطفة أو غامضة.
الصمت عن الضحايا: يتم التقليل من أرقام الضحايا الفلسطينيين بشكل ممنهج أو تقديمهم كـ "أضرار جانبية". فعلى سبيل المثال، حظي استشهاد 390 من موظفي "الأونروا" على يد الجيش الإسرائيلي بتغطية محدودة، وكذلك حقيقة أن غزة تضم أكبر مجموعة من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث.
التركيز الانتقائي: تميل وسائل الإعلام إلى التركيز على الهجمات ضد الإسرائيليين بينما تقلل من العنف الممنهج ضد الفلسطينيين، مثل أكثر من 2,400 انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار من قبل إسرائيل.
هذا التعامل الإعلامي ساهم في نزع الإنسانية عن الشعب الفلسطيني وتطبيع معاناته، مما خلق بيئة يمكن فيها ارتكاب الإبادة الجماعية بأقل قدر من رد الفعل الدولي.
استشهد أكثر من 21,000 طفل فلسطيني وأصيب أكثر من 44,000 آخرين منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023. هناك أكثر من 56,000 يتيم، وأكثر من 38,000 امرأة وفتاة استُشهدن.
في السياق الحالي للشرق الأوسط، ما هي الدروس التي تقدمها النكبة للعالم حول حقوق الإنسان، والتهجير القسري، والبحث عن حل عادل ودائم لفلسطين؟
تقدم النكبة واستمرارها حتى اليوم دروساً جوهرية للمجتمع الدولي:
الإفلات من العقاب يولد المزيد من الفظائع: إن عدم المحاسبة على نكبة 1948 وضع الأساس للوضع الحالي.
القانون الدولي بلا تنفيذ هو عديم الفائدة: على الرغم من اعتراف محكمة العدل الدولية بخطر الإبادة الجماعية، إلا أن التدابير الاحترازية لم تُنفذ، مما يثبت افتقار المؤسسات الدولية لآليات تنفيذ فعالة.
التهجير القسري أداة قمع مستمرة: النكبة لم تكن حدثاً وانتهى، بل هي عملية مستمرة عبر إنكار حق العودة وتوسيع المستوطنات.
التواطؤ الدولي يكرس الظلم: الدعم العسكري والدبلوماسي والاقتصادي لإسرائيل، خاصة من قبل الولايات المتحدة، سمح باستمرار الاحتلال والإبادة.
المقاومة الفلسطينية مشروعة وضرورية: أمام استمرار النكبة، حافظ الشعب الفلسطيني على مقاومته بكل أشكالها كمسألة بقاء.
لتحقيق حل عادل ودائم، يجب على المجتمع الدولي اتخاذ إجراءات عاجلة:
الوقف الفوري للإبادة الجماعية في غزة ورفع الحصار.
وقف التطهير العرقي في الضفة الغربية وإنهاء استعمار الأراضي المحتلة عام 1967.
إنهاء ضم القدس الشرقية والاعتراف بمكانتها الخاصة.
حق العودة لجميع اللاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرار الأممي 194.
المحاسبة على جميع الجرائم المرتكبة منذ 1948 وحتى اليوم.
إن معركة الإنسانية جمعاء تمر عبر غزة وفلسطين؛ إنها النضال ضد القمع والموت. التحرير النهائي لفلسطين هو حلم إخوتنا الشهداء منذ عام 1948. حتى النصر، فلسطين حرة! والقدس العاصمة الأبدية لفلسطين!
خاتمة
أعزاءنا المستمعين، بعد 78 عاماً على النكبة، لا تزال الذاكرة حية في نفوس الملايين من الفلسطينيين داخل الأرض وخارجها. إن هذه الذكرى، بما تتجاوزه من بعد تاريخي، لا تزال تضع المجتمع الدولي أمام تساؤلات ملحة حول الحاجة إلى العدالة والاعتراف والسلام. نشكر السيد أبو فيصل سيرخيو تابيا، المدير المؤسس لصحيفة "القدس ليبيراسيون"، على مساهمته وتقديمه لهذه التوضيحات الدقيقة حول جرح من أعمق جراح الشعب الفلسطيني.
.jpg)